(( الإنسان والكمال ))

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

(( الإنسان والكمال ))

مُساهمة من طرف محمد البغدادي في السبت سبتمبر 20, 2008 3:18 pm

(( الإنسان والكمال ))


كان الإنسان عدماً لا وجود له ولا أثر يدل عليه كما يشير إلى ذلك القرآن الكريم في قوله تعالى: (هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا ).
ثم إن الله تبارك وتعالى تكرّم ومنّ عليه بالخلق ، فأوجده من العدم وأعطاه الروح ، ووهبه الحياة ، وفضله على كثير ممن خلق تفضيلا، وجعله سيد هذا الكون بكل ما فيه من موجودات ، ، وسخر كل شيء لخدمته ومن أجل راحته وسعادته ، وأنعم عليه بالنعم الكثيرة الجسيمة التي لا عد لها ولا حصر .

يقول سبحانه وتعالى : (والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنهاتأكلون،ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون،وتحمل أثقالكم إلى بلدلم تكونوا بالغيه إلاّبشق الأنفس إن ربكم بكم لرؤوف رحيم،والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة ويخلق مالاتعلمون،وعلى الله قصدالسبيل ومنها جائر ولوشاء لهداكم أجمعين،هو الذي أنزل من السماءماء لكم منه شراب ومنه شجرفيه تسيمون،ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون،وسخّرلكم الليل والنهاروالشمس والقمروالنجوم مسخّرات بأمره إن في ذلك لآية لقوم يعقلون،وماذرأ لكم في الأرض مختلفا ألوانه إن في ذلك لآية لقوم يذكرون،وهو الذي سخّرالبحر لتأكلو منه لحما طريا وتستخرجوا منه حلية تلبسونها وترى الفلك مواخر فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون،وألقى في الأرض رواسي أن تميدبكم وأنهارا وسبلا لعلكم تهتدون،وعلامات وبالنجم هم يهتدون،أفمن يخلق كمن لايخلق أفلا تذكرون،وإن تعدوا نعمة الله لاتحصوها إن الله لغفور رحيم).

والسؤال الذي يطرح نفسه على الساحة ويجب على كل إنسان أن يتدبره ويتأمل فيه ويبحث له عن جواب هو :
(لماذا منّ الله علينا بالخلق والإيجاد ؟، وتفضل علينا بهذه النعم التي لا تعد ولا تحصى؟. وجعلناأفضل مخلوقاته السفلى وأسياد هذا العالم بكل مافيه من موجودات؟).

وبصيغة أخرى ومختصرة : ( ما هي الغاية من خلقنا وإيجادنا في الحياة ؟) .
فنحن نعلم أن الله عز وجل حكيم، لا يخلق شيئاًلهوا ولا لعباً، وأنه لابدّ من حكمة إلهية بالغة مترتبة على كل خلق في الحياة ، ذلك أن الله تعالى هو الكمال المطلق المنزّه عن كل نقص وقبيح، المتصف بالحكمة وحسن التدبير .
فهو سبحانه العليم الحكيم الذي يضع الأمور في مواضعها ولا يفعل إلاّ لغاية ، ولا يصنع إلاّ لهدف . وقد قال تبارك اسمه الجليل : { وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين، لو أردنا أن نتخذ لهواً لاتخذناه من لدنا إن كنا فاعلين }، وقال عز شأنه العظيم : { أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً وأنكم إلينا لا ترجعون، فتعالى الله الملك الحق لا إله إلاّ هو رب العرش الكريم }.
فهو تبارك وتعالى أحكم من أن يخلقنا عبثاً، أو يوجدنا لعباً ولهوا ، بل خلقنا لحكمة وأوجدنا لغاية ، وقد حدثنا القرآن عن تلك الحكمة في قوله تعالى :{وما خلقت الجن والإنس إلاّ ليعبدون }.

فهو سبحانه يؤكد أنه إنما خلقنا من أجل أن نكون عابدين له عز وجل .

ثم يعقّب على ذلك بقوله تعالى : { ما أريد منهم منهم من رزق وما أريد أن يطعمون، إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين }.
وبهذا البيان ينفي سبحانه أن يكون محتاجاً إلى خلقه ،إذ هو القوي المتين الذي يستحيل عليه العجز والضعف والحاجة والافتقار ، ويبين جلت قدرته أنه إنما خلق الخلق وأمرهم بالعبادة ليعود الخير إليهم دونه عز وجل .
وبهذا يتضح لنا أن ثمرة العبادة تعود إلينا وليس إلى الله، إذ أننا نحن الفقراء وهو عز وجل الغني المطلق الذي لا يحتاج إلى أحد ولا يفقره كفر العباد كما لا تغنيه طاعتهم ، وقد قال عظم سلطانه : { يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد }، وقال عز شأنه : { إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعاً فإن الله لغني حميد }.

وإذا كان الإنسان هو المستفيد من العبادة ، فلعل من أهم وأعظم الثمرات التي يجنيها من وراء عبادته هي أن العبادة تبعده عن الرذيلة والفجور، وتربيه على العفة والطهارة والفضيلة ، وتوصله إلى أعلى درجات الكمال الإنساني ، ليكون كاملاً شأنه شأن المخلوقات الأخرى التي خلقها الله كاملة .

فلوا ألقينا نظرة فاحصة على هذا الكون العظيم لرأيناه – بكل أجزائه ومن أصغر ذرة إلى أكبر مجرة فيه – يسير وفق نظم وقوانين دقيقة جداً لا يتعداها ولا يحيد عنها ولو بمقدار شعرة، كما أكدت ذلك البحوث العلمية الحديثة باكتشافاتها المهمة جداً حول دقة نظام الكون وعظمة الإبداع في خلقه وتكوينه ، وفي القرآن الكريم بعض الآيات التي تتحدث عن النظام الكوني مثل قوله سبحانه : { وآية لهم الليل نسلخ منه النهار فإذا هم مظلمون والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم ، والقمر قدّرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون } { وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب صنع الله الذي أتقن كل شيء } .
فكل شيء في الوجود خلق بإبداع فريد ، وبإتقان وإحكام لا نظير لهما أبدا ، فهو متكامل في خلقه من جميع الجوانب والجهات .
والإنسان هو سيد المخلوقات ، وأشرف الموجودات ، فلا يمكن أن يشذّ عن هذه القاعدة ويتخلف عن الكمال وهو يعيش في عالم الكمال .

فالإنسان متكامل من جهة الخلق المادي ، فقد خلقه الله في أجمل صورة وأحسن تقويم ، وركّب فيه جميع الأعضاء التي يحتاج إليها ، ومكّن هذه الأعضاء من القيام بوظائفها على أكمل وجه من دون أي تدخل من الإنسان في ذلك لا بتوجيه ولا إرشاد ولا أمر ولا نهي ، بل أن أكثر هذه الأعضاء تقوم بوظائفها من دون أن يشعر الإنسان بها وبعملها ، كما هو الحال في المعدة وهضمها للطعام، والكبد واستخلاصه المواد النافعة من الغذاء ، والقلب وضخه الدم إلى جميع أجزاء الجسم وتزويدها بالغذاء والأكسجين..... إلى غير ذلك من المهام التي تزاولها الأعضاء من دون أن يشعر بها الإنسان إطلاقاً .

كما أن الإنسان في إحساسه بالتعب والإرهاق ، والجوع والعطش ، وشعوره بالحاجة إلى النوم والراحة ، والطعام والشراب ، وكذا تحرك الغريزة الجنسية لديه .. وما شابه ذلك من أمور، غير محتاج إلى معلم يعلمه ذلك ، بل أنه يحس بهذه الأشياء بنفسه دون أي تدخلات خارجية مهما كان نوعها .

وإن دل هذا على شيء فإنما يدل على تكامل الإنسان في بنيته المادية وخلقته الجسدية شأنه في ذلك شأن سائر المخلوقات الأخرى التي خلقها الله كاملة .

وإذا كان الإنسان كاملاً في بنيته المادية ، فهو مطلوب منه أن يتكامل أيضاً من الجهة الروحية ، ليكون كاملاً من كل الجوانب والجهات ، ويصبح ملكاً يمشي على الأرض .

والواقع أن الفرق كبير جداً بين الكمال الجسدي والكمال الروحي للإنسان ، إذ أن الكمال الجسدي كمال قسري لا دخل للإنسان فيه ، أما الكمال الروحي فهوإنما يتم باختيار الإنسان ورغبته ، ذلك أن الله تبارك وتعالى حينما خلق الإنسان هيأ له الأسباب التي تبني روحه وتهذب نفسه وتقوم سلوكه وترفعه إلى أعلى عليين ، وتأخذ بيديه إلى الخير وتهديه إلى الحق والنور والهدى .. كما هيأ له جميع الأسباب التي توصله إلى الشقاء والتعاسة ، وترده إلى أسفل سافلين ، وترديه في الأخطار والمهالك .

فالله عز وجل أوضح الطريق وأنار السبيل للإنسان وبين له الهدى والضلال والحق والباطل ، والخير والشر ثم وهبه الحرية والإرادة والاختيار ، وأعطاه حق تقرير مصيره ، وجعله المسؤول الأول والأخير عن نفسه وتصرفاته في الحياة .
فقد قرر المولى الباري جل وعلا بأنه { لا إكراه في الدين } { فمن اهتدى فلنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها }(إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها) (من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها ) (بل الإنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره)
فالإنسان هو المسؤول عن نفسه ، وهو الذي يتحمل نتيجة تصرفاته في الحياة ، ذلك أن الله تعالى أعطاه نفساً أودع فيها غرائز الفجور والتقوى ، وأعطاه القدرة على تربيتها وإيصالها إلى الكمال ، كما أعطاه القدرة على إهمالها ودسها في الذنوب والمعاصي والآثام ، يقول جل وعلا : { ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها }.

فالنفس الإنسانية قابلة للنقص والكمال ، وكل إنسان بإمكانه أن يختار من الأمرين ما يشاء .

والإنسان الواعي هو الذي يختار لنفسه الكمال على النقص ، والتقوى على الفجور ، لأنه يعلم إنه إنسان بروحه وليس ببدنه ، فإن البدن يبلى ويفنى ، وأما الروح فإنها باقية خالدة حتى وإن مات البدن ودس في التراب .

ومن أجل هذا اهتم الإسلام بالروح،وحث على تربيتها،وأكدعلى ضرورة إصلاحها ،وبين للإنسان المناهج التربوية الصحيحة التي يجب أن يلتزم بها ويسير على نهجها من أجل إصلاح نفسه وبناءروحه وتقويم سلوكه ليصل إلى أعى درجات الكمال الإنساني ويصبح إنسانا ملائكيا يمشي على الأرض.

وتأتي العبادة في مقدمة هذه المناهج التربوية المهمة ،وذلك لما للعبادة من دور مهم وكبير في نزع الإنسان من عالم الماديات وربطه بعالم المعنويات حيث الله والدار الآخرة والنعيم المقيم.

ونحن الآن في شهر الخير والبركة والرحمة والمغفرة والعبادة،فهل نستغل هذه الفرصة لتجديد علاقتنا بالله ونقبل عليه بالتوبة والإنابة،ونخصص شيئا من الوقت لعبادته سبحانه وتعالى.

إننابحاجة ماسة إلى ذلك ليس فقط من أجل الأجر والثواب،وإنما أيضا لما للعبادة من أثرعظيم في تزكية النفس وتربيتها وتعويدها على كل حسن وجميل وإبعادها عن كل شين وقبيح.

إن كنا نريد الكمال فطريقه الإرتباط بالله،فهل سنستغل فرصة رمضان لنحقق لأنفسنا الكمال عن طريق تجديد علاقتنابه سبحانه وتعالى.
أتمنى ذلك للجميع

محمد البغدادي
خبير
خبير

ذكر عدد الرسائل : 170
العمر : 31
العمل : pharmacist
البلد : ليبيا
مؤشر احترام قوانين المنتدى :
100 / 100100 / 100

تاريخ التسجيل : 05/07/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: (( الإنسان والكمال ))

مُساهمة من طرف دكتور محمد في السبت سبتمبر 20, 2008 7:31 pm

بارك الله فيك
وجعله فى ميزان الحسنات انشاءالله

دكتور محمد
بروفسور
بروفسور

ذكر عدد الرسائل : 4431
العمر : 38
العمل : دكتور
البلد : ليبيا
مؤشر احترام قوانين المنتدى :
0 / 1000 / 100

تاريخ التسجيل : 02/09/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: (( الإنسان والكمال ))

مُساهمة من طرف community في السبت سبتمبر 20, 2008 8:18 pm

جزاك الله خيرا

community
إدارة المنتدى
إدارة المنتدى

انثى عدد الرسائل : 3024
العمر : 27
العمل : طالبه فى كليه الصحه العامه قسم اداره صحيه
البلد : ليبيا بنغازى
مؤشر احترام قوانين المنتدى :
100 / 100100 / 100

تاريخ التسجيل : 06/07/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى